تناقضات العمران في المدينة الإسلاميّة المعاصرة

كتب إبراهيم البيومي غانم |  في 31 أغسطس 2018 / 18:58


على رغم ثراء العمران المديني وتنوّع جمالياته في الحضارة الإسلامية، وعلى رغم نشوء نحو 300 مدينة «إسلامية» في بضع قرون وفق معايير مرجعية واحدة، وبطُرز ٍمعمارية وفنية متنوعة ما بين أرض الهند وتركستان شرقاً إلى أرض الأندلس غرباً، على رغم هذا كله لم تتطابق أحوالُ المدن الإسلامية – على مر الزمن – تمامَ التطابق مع تلك الصورة التي رسمتها المصادر التراثية لها، ومنها كتب تاريخ المدن، وكتب أحكام البُنيان، وكتب الآداب السلطانية والسياسة الشرعية، ومن هذه الكتب الأخيرة كتاب: «تسهيل النظر وتعجيل الظفر» للماوردي (حققه رضوان السيد ونشره سنة 2012م)، وكتاب «سلوك المالك في تدبير الممالك» لابن أبي الربيع (حققه حامد ربيع ونشره سنة 1980م). كما لم تتطابق أحوال تلك المدينة أيضاً مع النماذج العمرانية الأولى التي تجلت في بعض المدن الإسلامية المبكرة مثل: «بغداد»، و «الكوفة»، و «البصرة»، و «فاس»، و «القاهرة» وغيرها على نحو ما جاء وصفها في المصادر التاريخية. والذي حدث هو أن تلك المدن ازدهرت حيناً، وتدهورت حيناً، وتناوبتها عوامل الاستقرار والاضطراب، حتى أن بعض المدن سقطت من يد الزمن وأمست أثراً بعد عين.

وإذا كان تصميمُ المدن الجديدة في القرون الأولى للعالم الإسلامي قد تم وفقَ مقاصد واضحة، ووظائف محددة، إلا أن ازدهار هذه المدن ونجاحها في أداء وظائفها وتحقيق مقاصدها، قد ارتبطا بدرجة الالتزام بتطبيق النظام الإسلامي الشرعي في تكوين النسيج المديني من جهة، وارتبطَا تاريخياً مع قوة الدولة وتزامنا معها من جهةٍ أخرى. وعليه يمكن القول: إن الابتعادَ عن التوجيهات العمرانية المستمدة من التعاليم الإسلامية ومعاييرها، إلى جانب ضعف الدولة وتفككها، هذا وذاك، قد ساهما في تشويه مقاصد الفنون العمرانية الموروثة، وأثَّرا سلبياً على أدائها الوظيفي في بناء «الحياة الطيبة»، حتى قبلَ وفود تأثيرات الحداثة الأوربية في القرنين الأخيرين واقتحامِها غالبية مجتمعات الأمة الإسلامية وتشويهها مدنها التاريخية.

وطبقاً للقانون العام الذي يحكمُ نشأة المدن وتطورها في مختلف التجارب العمرانية الحضارية، فإن المراحَل الأولى من عمر المدينة غالباً ما تتسم بدرجة عالية من الانضباط في التصميم والبناء، وفي الجمالياتِ والبهاء، وفي الانتظام الوظيفي وفق الخطط الأساسية الموضوعة للتكوين المديني. ثم قد يحدثُ بعد مرور أحقاب زمنية طويلة نسبياً أن يختلَّ ذلك الانضباط، ويتحول الانتظام إلى العشوائية. وهذا ما حدث بالفعل لغالبية المدن الإسلامية من القديم إلى الوسيط إلى الحديث والمعاصر. ومن الصواب القول – مع رضوان السيد – أن المدينةَ الإسلامية «التاريخية» قد زال نظامُها وترتيبُها في العصر الحديث ، وآل أمرها في أفضل الحالات إلى ذمةِ المدن الأثرية والمزارات السياحية.

مع الحداثةِ خلالَ القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين (التاسع عشر والعشرين الميلاديين)، شهدت المدنُ الإسلامية التقليدية تحولاتٍ جذريةً في مكوناتها العمرانية الكبرى، بخاصة في منظومة: الجامع والسوق والفندق أو النُّزل، ودار الوالي، أو مقر السلطة وأجهزتها الإداريةِ والأمنيةِ. وبات هذا التكوينُ أقرب إلى التناثر واللانظام في علاقاته النفعية والجمالية والمقاصدية. وفي رأي البعض، أن تأسيسَ «شركة النقل البحري العام» (شركت – حايري) في اسطنبول في خمسينات القرن التاسع عشر كان «إيذاناً بوصول الحداثة إلى بطن المدينة الإسلامية». وقد ساهمت هذه الحداثة في بعثرة المنظومات العمرانية التراثية وإفقادها الكثير من وظائفها، مع تشويه الصورة العامة التي كانت تميزها عن غيرها من الأنماط العمرانية التي عرفتها الحضارات الأخرى.

وقد لاحظتُ أنَّ إشكاليةَ «المسألة العمرانية المدينية» بمرجعيتها المقاصدية غائبةٌ تماماً عن إدراكات الحركات الإصلاحية التي تتبنى الرؤية الإسلامية للحياة ومرجعيتها العليا. ومن الأدلة على هذا الغياب، أن غالبية كتب رواد هذه الإصلاحة، بما فيها كُتُب «الفقه السياسي الحضاري» في القرنينِ الهجريين الأخيرين، تخلو من مناقشة هذه المسألة العمرانية خلواً شبه تام، ولم تتضمن – إلى الآن – تصوراً جديداً للمدينة يلبي حاجات الواقع المعاصر وفق المرجعية الإسلامية ومقاصدِها، على رغم أن أحوال «المدن الإسلامية» التاريخية، وأحوال «المدن الجديدة» التي نشأت في البلدان الإسلامية، تعجُّ بكثيرٍ من التشوهات والقبائح والمتناقضات العمرانية التي يتعذر معها بلوغ مقصد «الحياة الطيبة» الذي يعتبر أعلى مراحل المقاصد الإسلامية العمرانية، حيث تتجاور «مدن الكومبوندز» الباذخة في بنائها وتحصيناتها، مع مدن «الصفيح والقصدير،، و»مدن المقابر»، و»مدن العشوائيات» المزريةِ في بنائها وخدماتها وشروط الحياة الآدمية فيها. وعلى رغم ظهور هذا التناقض بجلاء، واستفحاله وتفاقم مشكلاته، إلا أنه لم ينطرح في أدبيات «الفقه السياسي الحضاري» المعاصر سؤالُ «المسألة العمرانية»، وما يتعين أن تكون عليه «المدينة» وفق نسق التفكير المقاصدي الإسلامي الأصيل.

إن أهمَّ ما يكشفُ عنه التاريخ الحديث والمعاصر للفنون في مجتمعاتِنا الإسلامية عموماً، وفي شأنِ فنون التخطيط العمراني المديني وجمالياتِه خصوصاً، هو أنها أصبحت واهيةَ الصلةِ بنسق التفكير في «الحياة الطيبة»، وأضحت في خدمة عمليات إعادة تشكيل الوجدان الفردي والجماعي بعيداً من المرجعية الإسلامية ومقاصدها العامة، بل وعلى نحو معادٍ لهذه المرجعية ومفارق لها تمام المفارقة في بعض الأحيان.

وظني أن «الفنون العمرانية الحديثة» في بلادنا بجملتها قد ساهمتْ في تعميقِ حالة الانقسام الثقافي بين اتجاهات متعارضة، بعضها يتمسك بهويته الموروثة، وبعضها ينفتح على هويات وثقافات أخرى وافدة. وكان من نتائج ذلك أن مجتمعاتنا عاشت، ولا تزال تعيشُ، ضمن تصورات ورؤى حضارية متضاربة بين الموروث والوافد، ولا تجد نفسها فاعلة فيها، بل تجد نفسهَا في غالبية الأحوال مادةً استعمالية لتلك التصورات الوافدة.

وبمرور الوقت، زادت التحدياتُ التي تواجه «المدينة الإسلامية»، وزاد انفصالُها عن استلهام أصول هويتها الذاتية، وزاد ابتعادُها عن هذه الهوية. وبات الذي يتصدى للإبداع العمراني والجمالي وفنونه بمرجعية إسلامية نادر الوجود، ويحتاج إلى تأهيل رفيع المستوى، وحرفية بارعة، ورؤية فلسفية واسعة الأفق، واقتدارٍ سياسي يستجيب لمتطلبات «الحياة الطيبة» ويستلهمها ويكون في خدمتها، على النحو الذي كان عليه أسلافه من مصممي المدن وواضعي خططها في عصور الازدهار الحضاري الإسلامي.

إن إتقان الفنون العمرانية في تأسيس المدن كان تعبيراً عن تفكيرٍ مقاصدي من الطراز الأول، حيث رأى أولئك القدماء من الخبراء والعلماء وأولي الأمر، أنه لا غنى عن تلك الفنون وإتقانِ تصميمها لضمان شرط أساسي من شروط «الحياة الطيبة»، ومتطلب من متطلبات الصحة النفسية الجيدة، وركن من أركان الاتزان العقلي لسكان المدينة، فالمشاهدُ المبهجة، والألوان المتناسقة، والمساحات الخضراء، والحدائق المفرحة، والنظافة العامة، كلها تؤثرُ إيجابياً على المزاج النفسي العام، بخلاف مشاهد القبح والفوضى والقذارة والعشوائية التي تضرُّ بالصحة النفسية وتشجعُ على العنف، ومن ثم تساهمُ في إلحاق الأذى بالنفس، والمال، والنسل، والعقل، والدين في آن واحد.

وإذا كان التشوهُ، أو الاختلاطُ الذي آلت إليه «المدينة» الإسلاميةُ الموروثة منذ مئات السنين، قد حدثَ بفعل عوادي الزمن، وتحت تأثير عواملِ الإهمال، فإنه قد تفاقم بفعل تدني قدرات الإدارة العامة في ظل الدولةِ الحديثة في غالبية بلدان الأمة الإسلامية التي عجزت بعض حكوماتها عن «سياسة شؤون المدينة» بكفاءةٍ. وأمست «المدن الجديدة» – وأقصد هنا: المدن التي لا يتجاوز عمر أقدمها نصف قرن من الزمان – مصابة بغالبية ما أصابَ المدن القديمة الموروثة، بخاصة في ما يتعلق بتآكل «التكوين العمراني المقاصدي» إلى حد التلاشي: المادي والمعنوي. وأوضحُ مظاهرِ هذا التآكل هو اختفاءُ غالبية مظاهر الجماليات وفنونها، وضمور الساحات العامة، وانتشار الأوساخ والقمامة في شكل مقزز، إلى جانب «مدن الصفيح»، و»مدن المقابر»، والعشوائيات والقبائح البصرية والسمعية التي تغصُّ بها غالبية مدن العالم الإسلامي المعاصر!

لقد ارتبطت المدن الجديدة حديثة النشأة برؤى مختلفة تماماً لا صلةَ لها بتلك الرؤى الموروثة للعيشِ في المدن والأمصار الإسلامية، على النحو الذي كان حاضراً في أذهان كتاب الحكمة السياسية والآداب السلطانية والسياسة الشرعية. ولا تزال الفكرة المهيمنةُ في المدن الجديدة هي: «الأزمة» السكانية الضاغطة على أماكن التجمعِ القديمة، التي أصابها ما أصابها من تناقضات عمرانية، وتدهورٍ وتآكل في بناها الأساسية، ومساحاتها العامة على السواء في عددٍ كبير من مدن العالم الإسلامي. إن فكرة الأزمة كفكرة كامنةٍ في فلسفة تخطيط وتعمير المدن الجديدة في غالبية بلدان العالمِ الإسلامي، هي فكرةٌ للهروب من تراكم السلبيات التي أفقدت المجالَ العامَّ وجوده ووظائفه الجمالية والمقاصدية في الأذهان، قبل أن تفقده في المكان. ولهذا تجد أن ما تعاني منها المدينةُ القديمة الموروثة، ينتقلُ بسهولةٍ ويسر إلى «المدن الجديدة» المستحدثةِ.

من المنطقي أن يؤدي اختلافُ «فلسفة العمران» المديني من حضارةٍ إلى أخرى، إلى اختلاف الذوقِ الجمالي وصور التعبير عنه، وعن مقاصده ووظائفه تبعاً لذلك. وهذا الافتراض يؤكدُه كثيرٌ من الدراسات المقارنة للتكوينات المدينية عبر التجارب الحــضارية المختلفة، (دعْكَ من محاولات طـــمس هوية المدينة «الإسلامية» بدعوى أنها لم تضف شيئاً إلى التنظيمِ المديني، الذي عرفه الإغريق واليــونانيون والرومانيون). لكن الأحوالَ الراهــنة في كثيرٍ من «المدن» في بلدان الأمة الإســـلامية تشير إلى أنها قد فقدت الكثيرَ من مقوماتِ هويتها المســـتقلة، وأنها آلت إلى وضعٍ يمكنُ وصفها فيه بأنها مدن ذات هوية مـشوهة، وذات اجتماعٍ سياسي مختلط، وجماليات هي إلى القبائح أقرب منها إلى المحاسن، حتى يكاد يصدق عليها وصف المقريزي لبغداد بعد أن دهمها المغول، وهو أنها يصعب أن نسميها «مدينة».

المصدر: الحياة، انقر هنا للوصول للمصدر

المدينة المعاصرة

كتب خالد الشقنيطي

عندما كانوا يبنون المدن في السابق، كانوا يبنونها من دون أي تخطيط مسبق. بيد أن الإيمان الديني، كان يضع كل شيء في مكانه. الجامع أو المعبد بشموخه وتوسطه يصبح نقطة توجه للمواطن، كل شيء ينطلق منه ويعود إليه. إذا كان يريد أن يصلي أو يتوضأ أو يقضي حاجته أو يشرب ماء، يذهب إليه. إذا كان يريد أن يشحذ يجلس أمامه، إذا كان يريد أن يأكل يجد كبابخانة بجواره، وربما يرى قدراً من الدولمة يوزع على روح ميت فيأكل مجاناً.

قضت المدن الحديثة القليلة الإيمان على ذلك، أصبحت بنايات البنوك هي المركز. وفي البنك لا يسمحون للإنسان أن يدخل ويتبول أو يطرطر، أو يأكل. بل ولا يقدمون له كوز ماء لو كان على شفا الموت عطشاً. كل ما يريدونه منا هو فلوسنا. هكذا لم يعد للمدن المعاصرة مركز، فلم نعد نعرف كيف نتجه. يضحك زملائي علي عندما يجدون في سيارتي بوصلة، وأنا اضحك عليهم عندما يتوهون بسبب عدم تركيب بوصلة في سيارتهم.

ازداد الأمر تعقيداً بإشارات المرور، ممنوع الاستدارة، ممنوع المرور، ممنوع الدخول، ممنوع اليمين، ممنوع الشمال، بل وحتى ممنوع الوقوف لتسأل الناس.

زارت لندن استاذة من جامعة بغداد، وذهبت لمقابلتها في شقتها في ايرلزكورت، استرخصت ان تخرج لتحرك سيارتها من الشارع الرئيسي أمام العمارة إلى الزقاق الخلفي تحاشياً من قيود الوقوف، لكنها خرجت ولم تعد. بقيت انتظرها لساعات حتى حل منتصف الليل، وبدأت أقلق عليها. فجأة رنّ التليفون وكانت الاستاذة الفاضلة نفسها، «وين انت؟»، فأجابت بنبرة يائسة، انها في مطار هيثرو. بدأت تروي لي أنها عندما ساقت سيارتها لتضعها في الزقاق الخلفي، توجهت بها نحو الطرف الممنوع الدخول، واضطرت إلى الاستمرار بها لتدور حول مجموعة الأبنية. وعندما حاولت الاستدارة نحو الشمال كما ينبغي، وجدت إشارة أخرى تقول «ممنوع الاستدارة إلى الشمال». اضطرت إلى مواصلة سيرها، قادها ذلك إلى شارع كرمويل رود السريع المؤدي إلى المطار. كلما خرجت من هذا الشارع لتعود من حيث أتت، وجدت سهماً أمامها يقودها في اتجاه آخر لا يلبث ان يعيدها إلى حيث كانت في كرمويل رود. وأخيرا وعند منتصف الليل وجدت نفسها في المطار، قالت: وما الذي سأفعله الآن وكيف أعود؟، قلت لها: احذري ان تدخلي احدى الطائرات الواقفة على المدرج، لأنك ستجدين نفسك عند الصباح في نيويورك أو طوكيو او اسرائيل. ثانيا فتشي عن أقرب فندق واعتبريها نزهة. ثالثا سأواصل أنا السهرة وأنام في فراشك.

كان ذلك قبل نحو عشرين سنة، ولم أر وجهها ثانية منذ ذلك اليوم. واعتقد أنها واحدة من اثنتين، إما أنها ما زالت في مطار هيثرو تحاول الرجوع إلى كرمويل رود، أو انها ركبت طائرة بالغلط وحلت في أحد البلدان التي لا يجوز لها الخروج منها من دون محرم.

حدث شيء على غرار ذلك لصديق لي اعتاد على زيارتي كل ليلة مدفوعا بكآبة الغربة والوحدة، طرأ له شاغل اضطره لزيارتي صباحا فلم يهتد إلى عنواني هذه المرة. خرجت ابحث عنه، قلت له: كيف ضعت في وضح النهار وأنت لا تجد أي صعوبة في المجيء ليلا؟ قال: ضوء النهار يا اخي يتوّه، في الليل لا أرى شيئا، فأركز ذهني على العنوان وأصل. لكن في النهار كل هذي البنايات والفاترينات، وكل هالبنات الكفار اللي ما يخافون عذاب الآخرة، مشطحات بالمايوه بالباركات فأتشوش واضيع دربي.

المصدر: الشرق الاوسط، انقر هنا للوصول للمقال الأصلي