المدينة المعاصرة

كتب خالد الشقنيطي

عندما كانوا يبنون المدن في السابق، كانوا يبنونها من دون أي تخطيط مسبق. بيد أن الإيمان الديني، كان يضع كل شيء في مكانه. الجامع أو المعبد بشموخه وتوسطه يصبح نقطة توجه للمواطن، كل شيء ينطلق منه ويعود إليه. إذا كان يريد أن يصلي أو يتوضأ أو يقضي حاجته أو يشرب ماء، يذهب إليه. إذا كان يريد أن يشحذ يجلس أمامه، إذا كان يريد أن يأكل يجد كبابخانة بجواره، وربما يرى قدراً من الدولمة يوزع على روح ميت فيأكل مجاناً.

قضت المدن الحديثة القليلة الإيمان على ذلك، أصبحت بنايات البنوك هي المركز. وفي البنك لا يسمحون للإنسان أن يدخل ويتبول أو يطرطر، أو يأكل. بل ولا يقدمون له كوز ماء لو كان على شفا الموت عطشاً. كل ما يريدونه منا هو فلوسنا. هكذا لم يعد للمدن المعاصرة مركز، فلم نعد نعرف كيف نتجه. يضحك زملائي علي عندما يجدون في سيارتي بوصلة، وأنا اضحك عليهم عندما يتوهون بسبب عدم تركيب بوصلة في سيارتهم.

ازداد الأمر تعقيداً بإشارات المرور، ممنوع الاستدارة، ممنوع المرور، ممنوع الدخول، ممنوع اليمين، ممنوع الشمال، بل وحتى ممنوع الوقوف لتسأل الناس.

زارت لندن استاذة من جامعة بغداد، وذهبت لمقابلتها في شقتها في ايرلزكورت، استرخصت ان تخرج لتحرك سيارتها من الشارع الرئيسي أمام العمارة إلى الزقاق الخلفي تحاشياً من قيود الوقوف، لكنها خرجت ولم تعد. بقيت انتظرها لساعات حتى حل منتصف الليل، وبدأت أقلق عليها. فجأة رنّ التليفون وكانت الاستاذة الفاضلة نفسها، «وين انت؟»، فأجابت بنبرة يائسة، انها في مطار هيثرو. بدأت تروي لي أنها عندما ساقت سيارتها لتضعها في الزقاق الخلفي، توجهت بها نحو الطرف الممنوع الدخول، واضطرت إلى الاستمرار بها لتدور حول مجموعة الأبنية. وعندما حاولت الاستدارة نحو الشمال كما ينبغي، وجدت إشارة أخرى تقول «ممنوع الاستدارة إلى الشمال». اضطرت إلى مواصلة سيرها، قادها ذلك إلى شارع كرمويل رود السريع المؤدي إلى المطار. كلما خرجت من هذا الشارع لتعود من حيث أتت، وجدت سهماً أمامها يقودها في اتجاه آخر لا يلبث ان يعيدها إلى حيث كانت في كرمويل رود. وأخيرا وعند منتصف الليل وجدت نفسها في المطار، قالت: وما الذي سأفعله الآن وكيف أعود؟، قلت لها: احذري ان تدخلي احدى الطائرات الواقفة على المدرج، لأنك ستجدين نفسك عند الصباح في نيويورك أو طوكيو او اسرائيل. ثانيا فتشي عن أقرب فندق واعتبريها نزهة. ثالثا سأواصل أنا السهرة وأنام في فراشك.

كان ذلك قبل نحو عشرين سنة، ولم أر وجهها ثانية منذ ذلك اليوم. واعتقد أنها واحدة من اثنتين، إما أنها ما زالت في مطار هيثرو تحاول الرجوع إلى كرمويل رود، أو انها ركبت طائرة بالغلط وحلت في أحد البلدان التي لا يجوز لها الخروج منها من دون محرم.

حدث شيء على غرار ذلك لصديق لي اعتاد على زيارتي كل ليلة مدفوعا بكآبة الغربة والوحدة، طرأ له شاغل اضطره لزيارتي صباحا فلم يهتد إلى عنواني هذه المرة. خرجت ابحث عنه، قلت له: كيف ضعت في وضح النهار وأنت لا تجد أي صعوبة في المجيء ليلا؟ قال: ضوء النهار يا اخي يتوّه، في الليل لا أرى شيئا، فأركز ذهني على العنوان وأصل. لكن في النهار كل هذي البنايات والفاترينات، وكل هالبنات الكفار اللي ما يخافون عذاب الآخرة، مشطحات بالمايوه بالباركات فأتشوش واضيع دربي.

المصدر: الشرق الاوسط، انقر هنا للوصول للمقال الأصلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *